mercredi 13 janvier 2016

الواحد والثلاثون دبوكا

حيث نشات يقولون فلان شرى "دبوك" أي بغل. لعلّ التسمية  قريبة جذورها إلى الدبكة، بسبب كثرة استعمال الرجلين في عمل هذه الدابة التي لا تصلح إلآ للعمل.  و لا يسمّى الحصان والحمار دبوكا لأنّه يصلح للنسل أيضا... ثمّ انتقلت هذه الصفة للبشر. زمان، أصحاب الأراضي- الإقطاعيون- يبحثون عن صفات الدبوك في  عمالهم. وكذا،  عندما تبحث صاحبة المنزل عن معينة لها تقول : نحبها دبوكة أي لا تسكن ولا ترتاح ولا تبدي الضجر. ويعوّل هؤلاء السادة أيضا على الجانب النفسي، فرغم انهم أحباب مصالحهم يوهمون العامل الدبوك عندهم بأنه الكل في الكلّ، فتجده حريصا متفانيا في خدمتهم، ومتحمّسا في إخضاع غيره واستغلاله لمصلحتهم حتّى،  ومن هنا جاء المثل "العزري أقوى من سيدو". 
 ومشى زمان الإقطاع في سبيل حاله، وقننت حقوق الإنسان وحقوق العامل. لكن عقلية الإقطاع  مازلت راسخة لدى بعض العائلات الغنية والمتنفّذة سليلة الإقطاع التي ترفض نفسيّا أن تتجاوز هذه الممارسات، فكل متعامل معهم هو دبوك محتمل ينبغي أن يعمل لمصلحتهم بلا كلل وإلاّ نفروه وهجروه، ومع الأسف يوجد بين المتعاملين معهم من يقبل بأن يكون دبوكا. 
 وفي اعتقادي أن عائلة قائد السبسي -كما يدل اسمها ذاته-راسخة في تاريخ الإقطاع  وفي النظام الإقطاعي، ولم تتجاوز عقده النفسية. فرئيس الجمهوريّة الذي انتخبناه مكرهين بسبب تجربتنا مع سابقه، حدّثنا عن الوطنية والديمقراطيّة وفصل السلط عن بعضها فصدقناه، وكان ما فعلناه مخالفا للمنطق والواقع، إذ من شب على شيء شاب عليه، والممارسة الديمقراطية جاءت في مرحلة متأخرة من عمر الرجل  فهي تطبّع فرض عليه. لذا قد غلب الطبع التطبّع عند سي الباجي، وهو أمر مفهوم نفسيّا قال فيه الشاعر: إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ***ولن تلين إذا قوّمتها الخشب.
وهكذا نجح الباجي قائد السبسي بعقلية الاقطاعي في تحويل من يعمل معه إلى دبوك يخدم مشروعه. وفي تحويل الإرث - رئاسة نداء تونس - إلى ابنه رسميا، فأصبح الأمين المكلّف بالإدارة التنفيذية والممثل القانوني للحزب، يعني الرقم واحد في الحزب، وأكثر من ذلك وقعت ماسسة مفهوم الدبوك في ما تبقّى من الحزب، بما سمّوه أمينا وطنيا.  فوقع تعيين 31 أمينا وطنيا، سيخدم  سي حافظ قائد السبسي.  يتوهم كلّ واحد منهم بأنه صاحب شأن أو صاحب اختيار.
 خلاصة القول إن الندائيين في أزمتهم هذه تفرقوا ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى استشرفت الآتي، وخرجت عن الصفّ باكرا وفازت بنفسها. والمجموعة الثانية أوصلت السارق إلى باب الدار، وبان لها المستور مؤكّداِ في مؤتمر النداء بسوسة. ويعبّر أفرادها الآن عن مواقفهم بطرق مختلفة بالاستقالات وبالتخلّي عن المسؤوليات أو بتجميد عضويتهم في الحزب  أو في كتلة نداء تونس في البرلمان. والمجموعة الثالثة هم الوصوليون الجدد على رأسهم حافظ قائد السبسي ما صدّق أنه عنّق مسؤولية فيستميت في الدفاع عنها وحتي في التنظير لصوابها.
هناك سؤال بسيط لا يغادر ذهني هل أن حافظ قائد السبسي هو أفضل من تبقى من رجالات  ونساء حزب النداء حتّى يسلموه مقاليد الحزب. وأتساءل أيضا - والحال أن خمسة أسداس منتخبي النداء هم نسوة ، مع ما ورد في الدستور الجديد من تكريس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة-  لماذا لا يكون الرقم واحد في الحزب  امرأة. الفكرة لا تخطر ولن تخطر ببالهم. لأنّ السيّد في ضمائرهم بالرضا أو بالإكراه جميعا هو حافظ قائد السبسي. ولأنّه كما قيل: ما بقي من النداء نسخة من التجمّع المنحلّ، والمرأة في التجمّع لم تكن إلاّ ديكورا يزيّن الاجتماعات.

mardi 1 décembre 2015

إعادة نفخ الحياة في جثمان حزب التجمّع المنحل ليطلع إلى الشعب في خلق آخر

إن الخلاف الحاصل بين الفرقاء في نداء تونس ليس خلافا بين الاشخاص كما يحلو للبعض تبسيط ذلك، فحافظ السبسي لا يقارن بمحسن مرزوق على أي مستوى: مستوي النضج النفسي والثقافة والخطابة والتاريخ النضالي والعلاقات الداخلية والخارجية.  ومحسن مرزوق  يعرفه الناس. أمّا حافظ قائد السبسي فالناس بصدد اكتشافه. وكان تواصل مع التوانسة من خلال لقاء خاص معه بثته قناة نسمة التونسية  تبنى فيه مهاجمة منافسه محسن مرزوق بخطاب التجمع -حزب المخلوع بن علي قبل الثورة - في تخوين خصومه. اتهم حافظ قائد السبسي محسن مرزوق بالاسم، اتهمه بالتخابر مع السفارات الأجنبية، وبالمسّ من مقام الرئيس-الذي هو أبوه- وبنعت الحكومة بالفشل وبالسعي إلى إسقاطها، وبالخيانة العظمى. وقد بدا أمام المتفرّجين يبحث عن الكلمة فلا يجدها وعن الفكرة فلا تأتيه رغم محاولات محاوره انتشاله من مآزق الخطاب، مع العلم أن اللقاء التلفزي مسجّل. ويعلم الله وحده كم وقتا دام تسجيل اللقاء، لكن علم المشاهدون علم اليقين بعد مشاهدة اللقاء لماذا لم يكن الحوار على شاشة التلفزة مباشرا.
عندما تقرأ سيرة محسن مرزوق ترى كيف نحت الرجل ذاته ثقافيا وفكريا ونضاليا، اما حافظ قائد السبسي فقد أجاب عندما سئل عن تاريخه السياسي: قد نشأت في بيت يهتمّ بالسياسة. وهو يقضي بعضا من وقته- كما ذكرت مجلّة جون أفريك في عدد تحدّثت فيه عن النزاعات التي تعصف بنداء تونس-  بلعب الورق مع أصدقائه، وكان يطمح زمن بن علي أن يكون في الهيئة المديرة للترجي، طموح منع تحققه أصهار بن علي المخلوع.
إن جوهر الخلاف في الواقع هو بين مشروعين. مشروع اقترن باسم محسن مرزوق، لكن في الحقيقية يدافع عنه ال31 نائبا في مجلس نواب الشعب وجمع كبير من الندائيين. مشروع يريد تكريس الديمقراطية في كلّ المجالات بدءا من الحزب ويريد أن يكون المؤتمر الأول لحزب نداء تونس انتخابيا. والمشروع الثاني يريد أن يكون المؤتمر الأوّل للحزب تأسيسيا. ويدعم هذا الرأي تجمّعيون سابقون منهم رجال أعمال وندائيون كثر يريدون منصبا  عن طريق التعيين قد لا يحصلون عليه بالانتخاب. هذا المؤتمر التأسيسي يُثبّت كل كوادر الحزب في مواقعها، وكانوا اشتغلوا في هيكلة الحزب على تنصيب الموالين لهم وإبعاد من له رأي مخالف على المستوى المحلّي والجهوي ...وقد حُرّكت ماكينة التجمّع المعطّلة كما ورد في مجلّة جون أفريك في استنفار كوادر التجمع لما لديهم من خبرة ومعرفة بجهاتهم. وقد رأينا نموذجا من فاعليّة هذه الماكينة في إبطال إجتماع المكتب التنفيذي لنداء تونس في الحمّامات بالعصيّ والهراوات. أمّا الانتخابات فيمكن إجراؤها فيما بعد، بعد سنة أوسنة ونصف. وللتذكير،  لم يعرف التوانسة على مدى23 سنة من حكم التجمّع انتخابات نزيهة. هذا يعني أن حزب النداء سيصير بعد مؤتمره التأسيسي إلى ممارسة ديمقراطية وهمية. بالصريح الواضح، المشروع الذي يدافع عنه هؤلاء هو إعادة نفخ الحياة في  جثمان حزب التجمّع المنحل ليطلع إلى الشعب في خلق آخر.
لكن لماذا نجد حافظ قائد السبسي في واجهة الصراع حتّى اقترن المشروع باسمه؟ والرجل، حافظ هذا-على حدّ قول عمر  صحابو الصحفي المعروف- ليست لديه صفات القيادة. رأي أدلى به في برنامج لمن يجرؤ فقط، وقد اطلع عليه المشاهدون في الإشهار للبرنامج ولكنه حذف عند بث البرنامج كاملا.  حافظ قائد السبسي ، رجل عادي جدّا، لم يشتغل بالسياسة من قبل  تريده المجموعة صاحبة المشروع الثاني واجهة، يطمّعونه بالسلطة ويطمعون والده بالاستقرار، وما يكسبون  هو أن يكون القرار الفعلي بأيديهم، بما أن حزب النداء هو الحاكم. رؤوف الخمّاسي وشفيق الجرّاية ونبيل القروي وجوه داعمة لحافظ قائد السبسي، ذكرتها مجلّة جون أفريك، تعطي من مالها ووقتها لتمكين نجل الرئيس من النفوذ، ليس حبّا فيه او إيمانا بقدراته، بل لتصنع منه طرطورا جديدا. وغاية منى أصحاب المشروع الثاني أن يتخلّصوا نهائيا من الذين يدعون إلى مؤتمر حزبي انتخابي، وأغلب مؤسسي نداء تونس من بينهم، حتّى يضعوا أيديهم على حزب جاهز فائز.

jeudi 26 novembre 2015

من ذبح ذبحناه ومن قتل قتلناه ومن تورّط في الإرهاب دفنّاه حيّا

هذه قرارت استثنائية لحدث استثنائي جلل، تطبيقها بالتأكيد سيدمّرعرش الإرهاب. ما عدا هذه القرارت كل ما يقال في مواجهة الإرهاب هو لغو وإنشاء وضحك على الذقون. 14 قرارا تلاها رئيس الحكومة التونسية بعد تفجير حافلة الأمن الرئاسي مساء 24 نوفمبر2015  الذي راح ضحيته 12 تونسيا من خيرة ما أنجبت تونس عقيدة وعطاء وأخلاقا وشبابا. ما أعلن عنه الحبيب الصيد بطريقة رخوة هو بإجماع كلّ المحلّلين نتاج رخو لاجتماع المجلس الأعلى للأمن الوطني لأنّه ليس في مستوى الحدث الاستثنائي الذي ضرب قلب تونس ولأنّه لا يضرب بيد من حديد على الإرهابيين ومن والاهم.

تصوّروا أن حكومة الرّخويات لم تفعّل قانون الإرهاب بعد رغم ما يصيب التونسيين أمنا وجيشا ومدنيين من تقتيل وذبح في كلّ آن. تصوّروا أنها خلدت إلى النوم في ليلة الفاجعة لتلتقي بعد 14ساعة للاجتماع والحال أنّ الشعب التونسي- عدا الذين هلّلوا للعمليّة ووزّعوا الشربات- لم يناموا وباتوا مفجوعين على قتلاهم، موتورين. هل تتصوّرون رخاوة أكثر من تقرير غلق الحدود والتشديد على حراسة منافذ تونس البرية والبحرية بعد 26 ساعة من الحادثة.

ماذا أقول؟ وقد نظرت، يوم تأبين شهداء الوطن، إلى هرم الدولة فوجدت عليه شيوخا هرمة - ثلاثتهم-... فمن أين ستأتينا السرعة والجراة والقوّة في التقرير والتنفيذ؟...ماذا أقول أيضا، الديمقراطية  لعبة صنعها الحضر ويوحل فيها البقر... فهل سينتظر التوانسة 4 سنوات أخرى حتّي يخلصوا من التنافق الحكومي بين النداء والنهضة، فيكون الإرهاب قد حصد منّا من حصد...أم نعوّل على الفكر الخلاّق التونسي  وعلى إبداع المجتمع المدني للخروج من هذه الورطة لنثبت أن الشعب التونسي أبيّ وعصيّ، فلا يساق سوق البقر.

mercredi 11 novembre 2015

بين صمت مفتي الجمهورية التونسية وعزف جوقة الإخوان

للأسبوع الخامس على التوالي تتعطل صلاة الجمعة بجامع سيدي اللخمي بصفاقس. مَنعت إقامتها -أربعة أسابيع- فُتُوّات رضا الجوّادي، بعد أن قرّر وزير الشؤون الدينية التونسي إنهاء التكليف بالإمامة لعدد من الأئمّة في جوامع متعددة في مختلف أنحاء البلاد. قرار العزل جاء على خلفية انتماء هؤلاء للتيار السلفي المتشدد، وتكفيرهم شريحة من التونسيين، وتحريضهم على العنف . وقد نُشرت للمعزولين جميعا مقاطع فيديو من خطبهم على اليوتيوب في معنى ما اتهموا به، وقد وعد وزير الشؤون الدينية مؤخّرا بإعادة نشرها.  
ظلّ الإمام الجوادي المعزول يجادل في القرار ويحرّض الأنصار، حتّى رأينا في جامع سيدي اللخمي مشاهد لا تليق. استُجلب للجامع في الجمعة الأولى من إعفائه -واللاتي تبعنها- أناس بالحافلات لملء الجامع وأقاموا في بيت الصلاة مظاهرة على طريقة الثورة التونسية، تعالت فيها الأصوات مع قبضات اليد المرفوعة: الشعب يريد الجوادي من جديد... وبالروح بالدم نفديك يا جوادي، وانتهت ب"ديقاج" رفعت في وجه الإمام الذي عينه وزير الشؤون الدينية، ورفعت في وجه الإمام الثاني المعين بعده. وقع هذا في بيت من  بيوت الله.
هذا وقد دعت الوزارة الجميع إلى التعقّل، ودعت الإمام الجوادي إلى التوجه إلى القضاء للتظلّم إن كان يعتبر أن قرار الوزارة جائر، ولكنه لم يفعل - لأنه يعرف أنّ قضيته خاسرة- وفضّل التشويش مع المجلوبين من خارج صفاقس في فضاء الجامع.
إنّ تعطّل شعيرة من شعائر الإسلام  في الديار التونسية، صلاة الجمعة، سابقة في بلاد المسلمين وأمر جلل. ومن واجب مفتي الجمهورية أن يتدخل على عجل ويبرز موطن الخلل. فمفتي الجمهورية يتحرك من تلقاء نفسه ويعطي فتواه كلما حدث حادث في الأمور الدينية، تماما مثلما تفعل النيابة العمومية في الشؤون  الدنيوية. وأنا أعتقد جازمة أن صمت حضرة المفتي لا يدخل في باب التقصير، وأنزه الشيخ الجليل عن سوء النية والتقدير. 
بالتوازي مع هذا الصمت  قامت حملة إعلامية شرسة ضد وزير الشؤون الدينية من قبل جوقة الإخوان حزب النهضة في الحوارات التلفزية والإذاعية، وبالتأكيد في الصحف. وأنا لست من المتابعين المواضبين على الحوارات التلفزية، ورغم ذلك شاهدت 5 قيادات نهضاوية  في 5 مناسبات، كل تدخّل لها في الموضوع ينتقد القرار. وبعض المتدخّلين  يتحاملون على شخص الوزير حتّى. وكان أكثر المتحمسين في تبرير تعطيل صلاة الجمعة العجمي الوريمي الذي قال: كما كان لنا انتقال ديمقراطي يجب أن يكون لنا انتقال ديني... 
لن أطيل عليكم الكلام. المسالة وما فيها تسخين طبول للانتخابات البلدية المقبلة. دستور الجمهورية الثانية جعل الدولة راعية الدين وضامنة حياد المساجد  حتى تكون بمنأى عن الدعاية الحزبية وعن الصراعات السّياسيّة. وهذا ما يسعى فيه وزير الشؤون الدينية وما لا يروق لحركة النهضة. أمّا قمّة التبرير المُسِفّ فجاء على لسان سمير ديلو: لا يصلّي الإمام بالناس وهم له كارهون. وهي قولة حق أريد بها باطل. لم تُكره إمامة الإمام؟ لجهله أو فساده أو عدم استقامته...إنّ هذا التبرير لسلوك الجوادي المعزول وأتباعه غير أخلاقي فيه تشهير بالإمامين الجليلين البديلين الذين عينهما الوزير.
 هذا وقد امتثل لقرار العزل، عدا الجوادي، كل الأئمّة الذين أُعفوا من مهامهم -ويُحسب لهم احترامهم للقانون- رغم أنهم أكثر منه أتباعا...  ما يحدث في جامع اللخمي تلقّفته حركة النهضة كبالونة اختبار لتتحسّس به إمكانية افتكاك المساجد فيُنصَّب عليها أتباعها حتّى تستعملها في الانتخابات البلدية القادمة، وهي التي جرّبت جدوى الحملات الانتخابية في بيوت الله، نشاط جعلها تفوز بالانتخابات الأولى ما  بعد الثورة...هذه هجمة أخرى من النهضة الإخوانية للتمكين لنفسها في بيوت الله وللتفرّد فيها لتحقيق مكاسب سياسية. هجمة ينبغي التصدّي لها وإجهاضها بكل الوسائل.

lundi 9 novembre 2015

من وحي الخيال والشبه مع الواقع محض صدفة


في الضيعة المحروسة، كان المتساكنون، على اختلاف أجناسهم واختلاف مشاربهم، يعيشون إخوانا، يسعى كل واحد إلى خير الجميع- بما يقدر عليه- فرحانا. وإذا بفكرة تلمع في راس البغل:  لم لا أكون أنا في هذا المكان الفحل، وفي سلالتي عراقة من الأصل. ونادى زميله رأس البصل، وقال: أنا ابن الكبير، وأريد أن اكون على هؤلاء صاحب الفصل. وهدده بالركل، إن سعى في الأمر على مهل. فطاف المسكين في كل حقل، يدعو له مباشرة بالأقوال، وأحيانا بالهاتف، الثابت منه والجوّال.  فكان أن التفّ حول الفكرة، جمع من وجهاء الضيعة، أبرزهم: صاحب البوق، والدابة الجرّاية، والقنفد ذو الشوكات، والقطّ، والمعروف بينهم بأنه من حزمة إلى حزمة ينطّ. وفي الأركان سمع صدى صوت يقول: لبيك يا ابن الكبير، أنت الفحل في الهنشير. وقع الخبر على متساكني الضيعة وقع الهول، وتنادى من الأجناس كل من له باع وطول: وقالوا صحيح: إن الكبير حصان، ولكن نجله بغل ولن يكون أمرنا بين يديه في أمان. واستنكرت الفحول ما كان البغل يقول. وعدّوا أنفسهم في الضيعة، اثنين وثلاثين وقرّروا القطيعة مع البغل والتّابعين...  
                                                            يتبع...

mercredi 4 novembre 2015

غالط أوغلطوه

هناك رأي بخصوص أزمة الحزب الحاكم  يعتبر حافظ قائد السبسي -سبب الانشقاق الحاصل في حزب نداء تونس- ليس منصورا بأبيه رئيس الجمهورية، وإنما هو منصور بحاشية أبيه. ويقيم الرأي مقارنة بين حال قائد السبسي الرئيس، بقصر قرطاج، بحال الزعيم الحبيب بورقيبة في آخر أيامه، بالمكان ذاته. حال  فيها رئيس الديوان مع مساعديه  هو الفاطق الناطق  والأذن التي يسمع بها الرئيس أخبار العالم والعين التي يرى بها ما يحدث خارج القصر.  وبسبب الدور الحساس الذي يلعبه الديوان الرئاسي في حياة الرؤساء  فهم يختارون له كفاءات منضبطة ثقاة، بحيث لا يورطون الرئاسة في أي جدال ويحرصون على بقاء مقام رئيس الجمهورية مصانا ومحترما.
هذا الموقف ينزّل رضا بالحاج  بالنسبة إلى الرئيس الحالي منزلة منصور الصخيري بالنسبة إلى المرحوم بورقيبة في فترة عجزه. بلحاج ومستشارون رئاسيون يتصرفون هذه الأيام كما كان يتصرّف الصخيري وساكني قرطاج مع الزعيم الراحل، تهمّهم صحة الرئيس فلا يكثرون عليه، ويتصرّفون باسمه، ويكتمون عنه أشياء، لو كان علمها لكان أنكرها وسعى إلى تغييرها. ويقدّر أصحاب الموقف أن الرئيس الباجي قائد السبسي رجل حكيم ورجل قانون، بحيث لا يمكن أن يكون إلا منصفا، ولو أخبره أحدهم بصدق عما يمارسه ابنه من تهوّر وعنف يهدد كيان النداء ، لكان وضع حدا لابنه السائب. ابنه سائب إلى درجة أن المحامية والناشطة الحقوقية دليلة مصدق أطلقت نداء لرئيس الجمهورية عبر إذاعة جوهرة أف أم  تقول فيه: شد ولدك وربيّه. 
وإنّ تصرّف رضا بلحاج، في دعمه اللامشروط للمنصور حافظ -ربما بضغط منه فهو أولا وأخيرا يشتغل مع أبيه- دون علم رئيس الجمهورية بالحيثيات الموضوعية لهذا الدعم، يعتبر خيانة مؤتمن، ويطعن هذا التصرّف أيضا في كفاءته لأنه شلّك مقام الرئاسة وجعل سيرة الرئيس وابنه على كل لسان وخبرا تحلّله الصحف الأجنبية. مهما يكن من أمر، إن كان حافظ قائد السبسي منصورا بأبيه رئيس الجمهورية، فرئيس الجمهورية مخطئ يستحق كل الانتقادات التي وجّهت إليه، وبذلك يكون "غالط"، أمّا إن كان حافظ منصورا بحاشية أبيه دون علم هذا الأب، فالباجي قائد السبسي، رئيسنا، بالتأكيد "غلطوه". وسواء كان الباجي "غالط أو غلّطوه"، فقد ورّطه ابنه المنصور في وضع لا يحسد عليه. مواطنة تونسية قالت على إذاعة موزاييك أف أم متندّرة: الحمد لله أن للباجي ولد واحد وإلا صار عندنا مسلسل حريم السلطان.     

mardi 3 novembre 2015

المنصور بأبيه


 حبّ الحاكم لولده يجسّده بإرادة التمكين له ما دام على قيد الحياة، وكذا حاول كلّ الحكام  العرب المخلوعين من العراق إلى تونس في عصرنا الحالي. وفعل قبلهم الحكام في التاريخ. فمعاوية بن أبي سفيان الخليفة الاموي، مثلا، ظل يقنع من حوله بان يبايعوا ابنه يزيد خليفة له - يزيد المعروف بخلاعته ومجونه وباستهتاره بالدين حتّى- وهو الذي قتل الحسين حفيد الرسول صلعم وسبا نساء آل البيت وفتح باب الجحيم على أمّة الإسلام فتفرّقت رسميا سنة وشيعة تسيل بينهما الدماء إلى يوم الناس هذا. يزيد، سيّئ الذكر هذا، بعد أن رتّب له أبوه معاوية أمر الخلافة سأله: هل بقي في نفسك شيء أقضيه لك؟  فأجاب: أريد أن أتزوّج امرأة فلان. فبعث معاوية إلى زوج المرأة يطلبه.، وأنزله في قصره، ولم يتركه إلاّ بعد ان قبل بتطليق زوجته مقابل مؤونة خمسة أعوام لقبيلته.
بعدها بعث الخليفة أبا هريرة -رضي عنه- يطلب المرأة لابنه وليّ عهده بمهر ثمين. وعند نزول الصحابي بالمدينة،  سأله من صادفه عن سبب زيارته فردّ بأنه جاء يخطب فلانة ليزيد بن معاوية، فطلب منه بعضهم ومن بينهم الحسن والحسين بنا علي أن يذكرهم عندها. واسى أبو هريرة المرأة المطلقة... وذكر عندها كل من طلبها. فطلبت من الصحابي الجليل أن ينصحها، فارتضي لها أحد سيدي شباب الجنّة، الحسن أو الحسين. فاختارت الحسن فلم يبرح أبا هريرة المدينة إلا بعد أن زوّجها. فلمّا سمع معاوية الخبر قال: اسلمي أم خالد*** ربّ ساع لقاعد. فذهب قوله مثلا.
وحديثنا قياس، المنصور بأبيه، حافظ قائد السبسي، ثبّت قدمه في  حزب نداء تونس بخلق القلاقل حتى ألحق بهيئة المؤسسين، فعدّ مؤسسا بعد سنتين من تأسيس الحزب أي بمفعول رجعي. ومن ثمّ طمع في رئاسة الحزب، تشجّعه في ذلك رئاسة الجمهورية  ممثلة في شخص مدير الديوان الرئاسي. ولجأ إلى  الرّداءة، بعد أن أدرك عجزه عن نيل مراده بالكفاءة، بنشر البلبلة والخروج عن مؤسسات الحزب واللجوء إلى العنف والمليشيات. وأنا اٌقدّر انه ما من عاقل يعتقد  في حياد رئيس الجمهورية ووقوفه على نفس المسافة من الطرفين  المتخاصمين، والحال أن نجله أحد طرفي النزاع... رئيس الجمهوريّة يريد أن يسوّق لنفسه صورة الحياد... ولو كان الأمر كذلك لحرص على سماع الطرف الآخر المقابل، ولما استعجل اعتبار تهديد نواب الشعب المناهضين لسلوك ابنه بالاستقالة من الحزب خيانة مؤتمن، اي خيانة للشعب.
إنّ انقسام حزب النداء يبدو كأنّه امر محتوم. ولو حصل، سيجلس المنصور بأبيه، حافظ قائد السبسي على رأس جزء من الحزب  الذي فقد كفاءات وطنية كبيرة وعديدة. وإنّ المستفيد من النزاع برمته، حركة النهضة التي ستصبح القوّة السياسية الأولى في البلاد، لزمن طويل. ولن يحصل المنصور بأبيه نجل الرئيس على العروس ولن يصل إلى السلطة أبدا. وتبعا لذلك أقول: اسلمي أم حافظ ***ربّ ساع لقاعد.
عبر التاريخ أراد كل حاكم أن يمكّن ابنه في السلطة ولو كان يعلم أنه ليس أهلا لها، وأنه كما نقول بالتونسي "سطل أو راس بغل"، وفي أحيان كثيرة يكون "سطل وراس بغل في آن واحد*. والباجي قائد السبسي أخذ دروسا كثيرة من المرحوم الحبيب بورقيبة، عدا درسا واحدا يبدو أنّه، مع الأسف، لم يفهمه.  الزعيم الحبيب بورقيبة- رحمه الله- رفض توريث ابنه وقد كان الأمر ممكنا بالنسبة إليه،  فبورقيبة الابن كان مثقفا، على أخلاق عالية، وكان ينجح في كل مهمة سياسية توكل إليه  آنذاك، بشهادة الباجي قائد السبسي نفسه.

*ملاحظة عبارة سطل تطلق على المرء الفارغ من المؤهلات، والأخرى تطلق على قليل الفهم محدود الكفاءة الذهنية.